أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

240

العقد الفريد

شرست بل لنت بل قابلت ذاك بذا * فأنت لا شك فيه السهل والجبل وقد يأتي من الشعر ما لا فائدة له ولا معنى ، كقول القائل : الليل ليل ، والنهار نهار * والأرض فيها الماء والأشجار ! وقال الأعشى : إن محلّا وإن مرتحلا * وإن في السّفر إذ مضى مثلا « 1 » وقال إبراهيم الشيباني الكاتب : قد تكون الكلمة إذا كانت مفردة حوشية بشعة ، حتى إذا وضعت في موضعها وقرنت مع إخوتها حسنت ؛ كقول الحسن بن هانئ : ذو حصر أفلت من كرّ القبل والكرّ كلمة خسيسة ، ولا سيما في الرقيق والغزل والنسيب ، غير أنها لما وضعت في موضعها حسنت . وكذلك الكلمة الرقيقة العذبة ربما قبحت ونفرت إذا لم توضع في موضعها ، مثل قول الشاعر : رأت رائحا جونا فقامت غريرة * بمسحاتها جنح الظّلام تبادره « 2 » فأوقع الجافي الجلف هذه اللفظة غير موقعها ، وبخسها حقّها حين جعلها في غير مكانها حقا ؛ لأن المساحي لا تصلح الغرائر . واعلم أنه لا يصلح لك شيء من المنثور والمنظوم ، إلا أن تجري منه على عرق وأن تتمسك منه بسبب ، فأما إن كان غير مناسب لطبيعتك ، وغير ملائم لقريحتك ، فلا تنض « 3 » مطيّتك في التماسه ، ولا تتعب نفسك إلى انبعاثه ، باستعارتك ألفاظ الناس وكلامهم ، فإن ذلك غير مثمر لك ولا مجد عليك ، ما لم تكن الصناعة ممازجة لذهنك ، وملتحمة بطبعك .

--> ( 1 ) المحل : المقيم . ( 2 ) الغريرة : الشابة لا تجربة لها . ( 3 ) نض : حرّك .